ابن ملقن
175
طبقات الأولياء
وقال : لم أر شيئا أبعث لطلب الإخلاص من الوحدة ؛ لأنه إذا خلا لم ير غير اللّه ، فإذا لم ير غيره لم يحركه إلا حكم اللّه . ومن أحب الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص ، واستمسك بركن كبير من أركان الصدق « 5 » . وقيل له : هل للعبد إلى إصلاح نفسه من سبيل ؟ فقال : قد بقينا مذبذبين حيارى * نطلب الصدق ما إليه سبيل فدواعى الهوى تخف علينا * وخلاف الهوى علينا ثقيل وقال : ما أكلت طعام امرئ بخيل ولا منان إلا وجدت ثقله على فؤادي أربعين صباحا . وحكى : أن رجلا « 6 » صالحا صحبه مدة ، وخدمه سنين ، ثم قال له : أنت تعلم صلاحى وأمانتي ! أحبك أن تعلمني اسم اللّه الأعظم ، فإنه بلغني أنك تعرفه . فسكت عنه مدة ، وأوهمه أنه سيعلمه ، ثم أخذ يوما طبقا ، وجعل فيه فأرة حية ، وغطاه وشده في مئزر ، وقال له : أتعرف صاحبنا الذي بالجيزة « 7 » ، بالمكان الفلاني ؟ قال : نعم ! قال : فأرسل إليه هذه الأمانة . فأخذه ومضى ، فوجده خفيفا ، فرفع الغطاء ، فهربت الفأرة ، فازداد غيظا ، فقال : يسخر بي ؟ ! . يحملني فأرة هدية ؟ ! . قال : فلما رآني علم ما في نفسي ، فقال : يا مسكين ! ائتمنتك على فأرة فلم تؤدها ، فكيف ائتمنك على اسم اللّه الأعظم ؟ ! . اذهب فلست تصلح له « 8 » .
--> ( 5 ) ذكره السلمى في الطبقات ( ص 19 ، 21 ) . ( 6 ) في الحلية أن هذا الرجل هو يوسف بن الحسين الرازي . وكذلك في تاريخ بغداد . انظر ترجمته في : ( تاريخ بغداد 14 / ، المنتظم لابن الجوزي 13 / 171 - 172 ، طبقات الصوفية 185 - 191 ، طبقات الحنابلة 279 - 280 ، طبقات الشعراني 1 / 105 ، العروس على القشيرية 1 / 163 - 164 ، الأعلام 8 / 227 ) . ( 7 ) روى أبو نعيم والخطيب وابن الجوزي أن ذا النون كان يسكن في الجيزة وأنه أرسله إلى صديق له في الفسطاط . ( 8 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 9 / 398 ) .